aplatkaki
نافذة مُطِلة على أعمال سيدي محمد سكيرج أخ العلامة سيدي أحمد بن الحاج العياشي سكيرج رحمهما الله ورضي عنهما
 
Copyright © Cheikh-skiredj.com 2011 tous droits réservés
 

اعتناءه بمكتبة بيته

إن كان لكل محترف أداة يتداول بها حرفته، ولكل مهني بلغة يتناول بها مهمته، فللعالم هو الآخر وسائل يبلغ بها القمة في العطاء، والمكانة في الاستزادة والسمو، ألا وهي مكتبته العلمية، التي هي مطيته إلى ذروة الجلال والجمال، وبها يبلغ نحو ما يرتجيه من آمال، ولئن سألت عالما أو متعلما عن أثمن شيء يملكه وأحسن ما يقتنيه ليجيبك دون تردد بأنه الكتاب، الذي هو رفيق دربه. وأنيس وحشته، فتراه يبذل في سبيل اقتنائه غالي الأثمان، لا يهمه من ذلك سوى أن يحظى بمكتبة يعبق طيبها، ويفوح أريجها، وتظم بين جنباتها أنفس المراجع والمصادر المختلفة.

وقد كان العلامة المؤرخ سيدي محمد سكيرج على هذا النمط والطراز، فقد ضمت مكتبته أمهات الكتب والمخطوطات والتقاييد والوثائق والمجلدات الضخام، التي هي ثروة في مواضيعها، ونافدة جليلة تطل على الدنيا فتكسوها معرفة وعلما ونباهة وجمالا، فإن رأيت خزانة كتبه حسبت من أول وهلة أنها لحجة الله الإمام الغزالي، أو للحافظ جلال الدين السيوطي، أو لسيبويه، أو لابن مالك النحوي، أو لغيرهم من كبار العلماء والرواد الآخرين.

ومهما يكن من أمر فإن هذه المكتبة لم تخلو من كتب التفاسير والحديث والعقيدة والفقه والسيرة والأدب والتاريخ واللغة والشعر، وما إلى ذلك من الموسوعات النفيسة التي قلما توجد في مكان آخر.

والمعروف عن الكتاب أنه يزداد رونقا في جماله إذا تمت صيانته والمحافظة عليه، فإذا تصفحه المطالع وقرأ فيه يداعبه بين يديه بعناية، ويقلب صفحاته ويفتحها بتأن ورعاية، فيظل مصانا على روعته وزهاوته، نظيفا في أتم نقاوته، وما هذه الألفاظ سوى صورة حية لمكتبة مترجمنا العلامة سيدي محمد سكيرج، فإن أمسكت كتابا منها تجده وكأنه حديث العهد بالطباعة، لم تؤثر عليه أيادي القراء، ولم يبليه الزمان، ولا أصابته الأرضة أو عَبَثَ فيه عابث.

ومرجع هذا كله للعلامة المذكور رحمه الله، فقد كانت له طريقة خاصة في تناول الكتاب وصيانته، كما لقن هذه الطريقة لأبنائه وأحفاده من بعده، كان رحمه الله يفتح الكتاب بتأن، ويقلب صفحاته، بتأن، ويحرص عند إغلاقه له من أن يصيب الإنكماش بعضا من صفحاته أو أن يقتحمها شيء ملموس كالغبار وغيره، فكان يمسح بأصبعه السبابة والإبهام رأس الصفحة إلى أسفلها، وذلك بتؤذة فريدة، حتى لا يعرض الصفحة إلى تمزق أو تكسر، ولا تكاد تسمع للصفحة صوتا لدى تقليبه لها، ولا يثنيها إذا ما انتهى من القراءة على عادة بعض الفقهاء، أضف إلى ذلك أنه كان يعظم الكتاب أيما تعظيم، فلا يضعه أرضا، أو يضع شيئا فوقه من حوائج وغيرها.

أما عن تنظيم مكتبته فقد أوتي في هذا المجال خبرة وحنكة، وكانت له فيه بديهة عجيبة، ينبئك عنها حسن ترقيمه للكتب وترتيبه للمجلدات والوثائق والكراريس المختلفة، وذلك وفق نظام متقن فريد، يساعد في تقريب الوصول إلى الكتاب المقصود بطريقة سهلة ومريحة، ولا ننسى أيضا اعتناؤه بدمج المواضيع الواحدة، ورعاية الأحجام والألوان، ونوعية صنف الكتاب، وما إلى ذلك من أمور آخرى.

ولم تقتصر مكتبة بيته عن خزانة واحدة ، بل وضع لها أكثر من ثلاث خزانات، وقد عبر عن ذلك من خلال إحصائية لمحتويات مكتبته (تقع في 34 صفحة) فرغ من كتابتها في شهر ربيع الثاني عام 1383م ـ شتنبر 1963، أي قبل وفاته بسنتين لا غير، قال في الصفحة الأولى منها: فبالخزانة الأولى عن يمين الداخل للصالة الكبرى. إلخ... ثم قال في صفحة آخرى: ومن الكتب بالخزانة عن يمين الداخل للبيت المجاور للحمام الجديد بفوقي الدار. إلخ.. ثم قال في صفحة آخرى: تقييد ما بخزانة المنزه.

وقد أخبرتني كريمته الأستاذة السيدة زبيدة أن والدها كان قد تبرع بجزء هام من مكتبته إلى بعض أهل العلم بفاس، وذلك قبل وفاته رحمه الله بما يناهز السنة، ثم علمت بعد ذلك أن الجهة المستفيدة من هذا التبرع كانت هي خزانة الزاوية التجانية الكبرى بالمدينة المذكورة، وذلك في شخص ناظرها ومحافظها العلامة المحدث سيدي إدريس بن العابد العراقي، الذي كانت تربطه به صداقة متينة، تشهد لها ما دار بين الطرفين من رسائل وأجوبة تفوق العشرات.