aplatkaki
نافذة مُطِلة على أعمال سيدي محمد سكيرج أخ العلامة سيدي أحمد بن الحاج العياشي سكيرج رحمهما الله ورضي عنهما
 
Copyright © Cheikh-skiredj.com 2011 tous droits réservés
 

وظـــــائفـــه

 

كان أول عمل أسند للعلامة سيدي محمد سكيرج لدى تخرجه من جامع القرويين هو تعيينه واعظا بالزاوية الناصرية بحومة السياج بفاس، وظل يزاول هذا العمل بنشاط على مدى خمس سنوات ابتداء من سنة 1314هـ- 1896م إلى شهر شعبان عام 1319هـ-1901م، وهو تاريخ مغادرته لمدينة فاس والتحاقه بطنجة.

 

ولدى حلوله بهذه الأخيرة عين بها عدلا بسماط العدول، وذلك بإشارة من قاضي المدينة العلامة محمد بن عبد القادر ابن سودة الفاسي[1]، وهو أحد شيوخه الذي درس على أيديهم بالقرويين، وكان تاريخ هذا التعيين في 29 شعبان عام 1319هـ-11 دجنبر1901. أي بعد يوم واحد من حلوله بطنجة، بيد أن فترة عمله بهذه الوظيفة لم تتجاوز مدة شهرين.

 

ثم انتقل في شهر ذي القعدة من السنة نفسها إلى مدينة تطوان، فاتصل بقاضيها العلامة التهامي بن محمد أفيلال[2]، ومدحه بقصيدة دالية جميلة، نالت إعجاب واستحسان القاضي المذكور، الذي سارع إلى تعيينه عذلا بسماط العدول بتطوان، لكنه لم يلبث في هذه الوظيفة أيضا سوى أسابيع قليلة.

 

ثم عين موظفا بأمانة الجيش بحامية فجيج، وذلك في فاتح شهر محرم 1320م– 10 أبريل 1902م كما أسند له في الوقت نفسه منصب أمين الديوانات، التي كان من المقرر إحداثها على الحدود المغربية الجزائرية، غير أن هذا المشروع بقي حبرا على ورق لا غير.

 

كما عين أيضا كاتب ضمن البعثة المغربية التي توجهت للجزائر بغية رسم الحدود بين البلدين، خصوصا فيما يتعلق بالصحراء الشرقية، وعن هذا الموضوع يقول مترجمنا في بعض تقاييده:

 

ثم بعد أمد وُجهَت معي عقود الحدود وما تضمنته شروطها من إنشاء ديوانات هناك بين القطرين، تفصل الصحاري مما بعد قصور فجيج عن المغرب الأدنى، وتصيرها حدودا جزائرية في مستقبل العزم، ولكن باءت بخفى حنين، فلم يتم شيء من عملها، وكنت جئت بها في جلباب السر لطنجة، ودفعتها للنائب المولوي وقتئذ محمد بن العربي الطريس[3] وهو رفعها إلى الحضرة العدلية، وبعد مراجعات باءت بالخيبة، وبقيت أنا مدة انتظاري للجواب عنها كاتبا مع عامل طنجة السيد الصديق بركاش[4]. إهـ..

 

ولا يفوتنا التنبيه أن فترة انتظاره لهذا الجواب استمرت سبعة أشهر، ليعين بعد ذلك كاتبا ضمن الوفد المبعوث من قبل المخزن نحو قبائل أنجاد ووجدة، وكان ذلك أوائل سنة 1321هـ– 1902م، في أوج فتنة الثائر بوحمارة، وكان هذا الوفد يتكون من شخصيات سامية، ذات وجاهة ونفوذ، تحت رئاسة الأمين الحاجب السيد أحمد الركينة.[5]  

 

ولم يكن اختيار العلامة سيدي محمد سكيرج لهذه المهمة من باب الصدفة، بل لما كان يتمتع به من فطنة وحنكة ونزاهة، إلى غير ذلك من صفات نادرة كثيرة، وقد استغرقت هذه المهمة مدة سنتين وخمسة أشهر، قضى معظمها بمدينة، وجدة، كما زار مدنا جزائرية كثيرة، كوهران ومغنية ومستغانم وسطيف وغيرها.

والمعروف عن العلامة سيدي محمد سكيرج أنه كان قد أصيب في هذه الفترة بمرض المصران الزائد، وأجريت له في هذا الصدد عملية جراحية بالمستشفى العسكري بمدينة وهران سنة 1322هـ 1904م وقد كللت هذه العملية بالنجاح على يد أطباء فرنسيين أكفاء، كما لاقت صدى طيبا بين سائر الأوساط الطبية إذ ذاك.

ومما هو جدير بالملاحظة أيضا أنه أقام بمدينة وهران مدة أربعة أشهر، كان خلالها ضيفا لدى مفتي المدينة العلامة الصالح سيدي علي بن عبد الرحمان الجزائري، أحد كبار علماء الطريقة التجانية بذلك القطر إذ ذاك.

ثم عاد رفقة الوفد المذكور بعدئذ لمدينة تطوان، فأقام بها مدة خمسة أشهر، التقى خلالها بجماعة من كبار علماء هذه المدينة، بعدما سبقته سمعته إليها كعالم وفقيه وأديب حاذق، وقد أثار اندهاش هؤلاء ما أظهره مترجمنا من مواهب فطرية ، وذكاء حاد، وثقافة مرهفة، وحديث مرح .

وكانت هذه الفترة (أي الأشهر الخمس التي قضاها بمدينة تطوان) من أعز الذكريات التي ارتسمت في ذهن العلامة سيدي محمد سكيرج، وكان يسميها الأيام البيض من عمره، كما كان عند بلوغه سن الشيخوخة حريصا على إثارة تلك الذكريات أمام الحلقة الملتفة حوله من أصدقائه ورفاقه، الذين كانوا يدركون من خلال نبراته الرصينة ما كان يعيره من أهمية لتلك الذكريات التي لم تفارق ذهنه قط.

ثم شد العلامة سيدي محمد سكيرج رحاله بعدئذ نحو مدينة طنجة، رفقة الحاجب الأمين أحمد الركينة، ومنها إلى مدينة فاس بمعية جماعة من كبار المسؤولين المغاربة، كالنائب محمد بن العربي الطريس، ومحمد (فتحا) اللبادي، والحاج محمد الصفار[6] وآخرين، وذلك لعقد اجتماع بنواب الدول الأجنبية الملحين وقتئذ بضرورة الإجتماع بجلالة السلطان المولى عبد العزيز، قصد التطرق لمناقشة بعض الشروط المعول إدراجها في مؤتمر الخزيرات، الذي سيتم انعقاده في وقت متأخر من تلك السنة (1323هـ- 1906م)

وبحلوله بمدينة فاس عين مترجمنا كاتبا بالحجابة السلطانية، وقد أمضى في هذه الوظيفة سنة واحدة، أظهر فيها من مؤهلاته الكبيرة ما جلب له تقدير وإعجاب كثير من كبار المسؤولين إذ ذاك.

 

ثم عاد لمدينة طنجة من جديد سنة 1324هـ- 1906م، فعين بها مساعدا لأمين العسكر النظامي السيد الحاج محمد أحرضان الطنجي، ثم بعد ذلك مع خلفه الأمين عبد السلام بوزيان، ثم أيضا مع خلفه ابن عمه المهندس الزبير سكيرج، وكان هذا الأخير حينئذ نائبا عن وزير الحربية السيد محمد الجباص، الذي كان قد أقدم فرقا من الجيش النظامي إلى أحواز مدينة طنجة بغية تحصينها من هجمات الشريف الثائر أحمد الريسوني، الذي كان قد نجح إلى حد بعيد في إلحاق الضرر بالمصالح الأجنبية  بالمدينة المذكورة.

 

وموازاة مع وظيفته العسكرية المذكورة كان يعمل بانتظام بإدارة السلف المغربي ثم استعفي عقب ذلك من الخدمة العسكرية بعد الإنقلاب الذي أودى بارتقاء المولى عبد الحفيظ إلى العرش بدل أخيه المولى عبد العزيز .

 

واكتفى بعدئذ بعمله بإدارة السلف المغربي، حيث تم تعيينه بها من جديد في شهر ربيع الأول سنة 1326هـ– 1908م، غير أن هذه المرة كانت تحت إشراف مسؤول آخر، وهو النائب السلطاني الأمين الحاج ادريس بن جلون.

 

وكان العلامة سيدي محمد سكيرج ضمن الكُتَّابِ الذين حضروا عقد الحماية الفرنسية بفاس يوم الجمعة 11 ربيع الثاني 1330هـ- 30 مارس 1912م، والمعروف عنه أنه كتب بعض شروطها، اعتبارا لكونه وقتئذ من ممثلي إدارة السلف المغربي.

 

وبناء عليه فقد كانت للعلامة سيدي محمد سكيرج خبرة طويلة بشروط عقد الحماية، وما تخلل هذا العقد من بنود وفصول وغايات، لا سيما من طرف مسؤولي إدارة السلف المغربي، الذين اقترحوا زيادة بعض الشروط الكفيلة بتخفيف تهافت الخائضين، وتقليص فرص الهيمنة والإستيلاء.

 

وظل يعمل بالإدارة المذكورة إلى حدود سنة 1337هـ- 1919م، وهي السنة التي آب فيها إلى خطة العدالة، بعدما عين عدلا بمرسى مدينة طنجة، ولم يتخلى عن هذه الوظيفة الأخيرة إلا بعد تدويل المدينة المذكورة سنة 1343هـ- 1925م، حيث كان من عداد من تم تخييرهم بين الوظيف بالمنطقة السلطانية (أي داخل المغرب) أو الإعفاء مقابل منحة مالية معينة، فاختار مترجمنا الحل الثاني.

 

ثم عمل بعد ذلك كاتبا حرا بإدارة السلف المغربي بمدينة طنجة، ثم بعدها كاتبا عربيا ملحقا بالقنصلية العامة للبلاد المنخفضة (هولاندا) فكان من الكتاب الخاصين للقنصل العام، كما كان هذا الأخير يحبه ويشيد بخصاله، اعتبارا لما لمسه فيه من روح الانضباط والعمل المنظم والنزاهة والتفاني وعلو الهمة. ثم خير مترجمنا بعدئذ بين الإلتحاق بوزارة الداخلية أو إحالته على التقاعد النسبي، فاختار إحالته على التقاعد النسبي، بغية التفرغ لوظائفه الدينية من تدريس وإفتاء وشهادة وإمامة وخطابة وغيرها.

 

ولم يزل قائما بهذه الوظائف بانتظام إلى أن تم تعيينه معلما بالمعهد الديني بمدينة طنجة سنة 1359هـ-1940م، وكان مدير هذا المعهد حينئذ الأستاذ العلامة عبد الله كنون، الذي كانت تجمعه به أخوة وصداقة ومصاهرة[7].

 

وعموما فقد قضى العلامة سيدي محمد سكيرج بهذا المعهد مدة تزيد على سبعة عشر سنة، كان خلالها مثال الأستاذ الحيوي النشيط، ذي القدرات النادرة والمواهب الفطرية، الشيء الذي سمح له بالإطلاع بمهمته المذكورة، كما جلب حوله جمهورا كبيرا من الطلبة الذين سرعان ما أعجبوا بغزارة لغته وتعابيره الدقيقة، وتشابيهه ومعانيه الثرية.

 

وخلاصة القول فمهنة التعليم كانت آخر وظيفة إدارية زاولها مترجمنا المذكور، وعنها أحيل على التقاعد سنة 1376هـ- 1957م.



[1]- أنظر ترجمة في ص

[2]- التهامي بن محمد أفيلال، قاضي الجماعة بمدينة تطوان، من أسرة شريفة، يتصل نسبها بالولي الصالح القطب مولاي عبد السلام بن مشيش، دفين جبل العلم بقبيلة بني عروس الجبلية. وهو من مواليد مدينة تطوان بتاريخ 12 محرم 1260هـ-2 فبراير 1844م، وبها نشأ وتعلم، إلى أن برع في فنون عديدة، لاسيما منها الفقه والنوازل والأحكام، الشيء الذي أهله لتعاطي خطة العدالة بذات المدينة، فقضى في هذه الخطة مدة غير قصيرة، ثم اشتغل بالتدريس بالزاوية الريسونية ابتداء من سنة 1304هـ – 1887م، قبل أن يتصدر للإمامة والخطبة بالمسجد الأعظم عام 1321هـ– 1903م .

وكان قد تولى خطة القضاء قبل هذا التاريخ بثمان سنوات، وعلى وجه التحديد سنة 1313هـ– 1896م، واستمر في هذه الخطة إلى حدود شهر صفر عام 1327هـ– مارس 1909، ثم أعيد تعيينه قاضيا من جديد بعد سنة من هذا التاريخ. في شهر جمادى الثانية عام 1328هـ -1910م، وظل يزاوله بما عرف عنه من نزاهة عالية إلى غاية وفاته يوم 28 جمـادى الأولى عام 1339هـ -7 فبراير 1921م، وأقبر بزاوية سيدي علي بركة بحومة السوق الفوقي بمدينة تطوان.

أنظر ترجمته في إتحاف المطالع لابن سودة 1: 427. معلمة المغرب 2 : 567 . موسوعة أعلام المغرب 8 : 2918.

[3] - محمد بن العربي بن عبد الخالق الطريس، فقيه وجيه، من أعلام مدينة تطوان، عين أمينا للمستفاد بمدينة الدار البيضاء مرتين متتاليتين، ثم عاملا على المدينة ذاتها وأمينا للمستفاد بها سنة 1296هـ– 1879م .

بيد أنه قدم استقالته من هذا المنصب الأخير في شهر ربيع الأول عام 1300م، أي بعد أربع سنوات من تسلمه، وعين بعد ذلك خليفة للنائب السلطاني في الشؤون الخارجية الحاج محمد بركاش بطنجة .

وهو رئيس الوفد الذي مثل المغرب في مؤتمر الجزيرة الخضراء المنعقد سنة  1906م ، مابين 15 يناير إلى 7 أبريل، وقد امتنع عن توقيع العقد النهائي الصادر عن المؤتمر، احتجاجا منه على القرارات التي اتخذتها الدول الأوربية ضمن أشغال المؤتمر المذكور، معتبرا ذلك تدخلا سافرا في الشؤون الداخلية لوطنه. توفي بمدينة طنجة في 16 شعبان عام 1326هـ– 13 شتنبر 1908م .

أنظر ترجمته في معلمة المغـــرب 17 : 5736 – 5737 . البهجة في تاريخ طنجة، للعلامة سيدي محمد (فتحا) سكيرج 2 : 61

[4]- الصديق محمد بركاش، سياسي محنك، عين أمينا بمرسى مدينة الرباط فترة طويلة إبان حكم السلطان المولى الحسن الأول، الذي عينه بعد ذلك خليفة لعامل المدينة ذاتها السيد محمد السويسي، وبقي في هذا المنصب  إلى حين تعيينه عاملا على  مدينة طنجة، ثم عاملا على مدينة الرباط ابتداء من سنة 1327هـ– 1909م، وعلى يده انتهت عمالة أسرة السويسي التي دامت أكثر من نصف قرن بالرباط. توفي بالرباط يوم الجمعة 17 محرم الحرام عام 1336هـ– 2 نونبر 1917م، ودفن بالزاوية التهامية. أنظر ترجمته في إتحاف المطالع، لابن سودة 2 :419 . معلمة المغرب 4: 1174. موسوعة أعلام المغرب 8 : 2901 .

[5]- أحمد الركينة، سياسي محنك، من مواليد مدينة تطوان في 26 صفر عام 1268هـ– 18 فبراير 1852م. اشتغل في أول أمره بمجال التجارة والأعمال، ثم عمل أمينا في بعض مدن التخوم كمليلية ووجدة، قبل أن يعين حاجبا للسلطان المولى عبد العزيز غداة وفاة الوزير الصدر أحمد بن موسى عام 1318هـ 1900م .

ولدى فرض نظام الحماية على المغرب سنة 1330هـ_ 1912م وانفراد إسبانيا بالحكم في منطقة الشمال انظم المترجم إلى مخزن الخليفة السلطاني بمدينة تطوان الأمير مولاي المهدي العلوي، فعمل وزيرا للمالية في الحكومة الخليفية، ثم صار فيما بعد الصدر الأعظم للحكومة المذكورة. توفي بتطوان سنة 1343هـ– 1924م، ودفن بالزاوية الحراقية.

أنظر ترجمته في إتحاف المطالع، لابن سودة 2: 438. معلمة المغرب 13: 4429 – 4430. موسوعة أعلام المغرب 8 :2946 .

[6] - محمد ابن عبد الله الصفار، وزير محنك، من أهل مدينة تطوان، وبها نشأ وتعلم، قبل أن ينتقل لاستتمام دراسته بجامع القرويين بفاس، حيث أخذ بها عن جماعة من أبرز علماء وقته، كالفقيه سيدي محمد بن عبد الرحمان الحجرتي ومن في طبقته. وقد أسندت للمترجم وظائف مخزنية سامية، لعل من أبرزها ارتقاؤه إلى منصب الصدر الأعظم في السنوات الأخيرة من حكم السلطان المولى عبد الرحمان بن هشام .

توفي في إحدى حركات السلطان المولى الحسن الأول، بقرية دار ولد زيدوح ببلاد تادلا، مابين مدينتي فــأس ومراكش، وحمل جثمانه في محفة خاصة إلى مراكش، وأقبر داخل قبة الولي الصالح سيدي يوسف بن علي خارج باب أغمات، وذلك بعد يومين من وفاته التي كانت فجر يوم الأربعاء 10 ذي القعدة الحرام عام 1298هـ – شتنبر 1881م.

أنظر ترجمته في إتحاف المطالع لابن سودة 1 : 273 . معلمة المغرب 16 : 5541 – 5543 . موسوعة أعلام المغرب 7 : 2669 . فواصل الجمان في أنباء وزراء وكتاب الزمان، لغريط 70- 71 رقم 6 . الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام 7 : 34 – 35 رقم 861 . تاريخ تطوان، لمحمد داود 7 : 78 . إتحاف أعلام  الناس بجمال أخبار حاضــرة مكناس، لابن زيدان 5 : 224  و 414 و 482

[7] - تتمثل هذه المصاهرة في العلامة الأديب السيد عبد السلام السميحي (شقيق زوجة العلامة سيدي محمد سكيرج) كان متزوجًا بالسيدة آسية بنت الفقيه سيدي محمد بن عبد الصمد كنون، أحد أشقاء الأستاذ عبد الله كنون.