aplatkaki
نافذة مُطِلة على أعمال سيدي محمد سكيرج أخ العلامة سيدي أحمد بن الحاج العياشي سكيرج رحمهما الله ورضي عنهما
 
Copyright © Cheikh-skiredj.com 2011 tous droits réservés
 

رسالة منه لجلالة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، يحضه فيها على اتخاذ التدابير اللازمة بتحفيظ القرآن الكريم وتدريسه والعناية بقراءه

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، وأودع خطابه أسرار الشريعة كلها، وما انطوت عليه العوالم وأحوال أهلها، فأفاد أهل الإيمان من آي آلائه ثبجا، منه فاح أرجا، ويا ما أوضح من أحوال الأمم الغابرين، وشرح عن أجيال وأقيال الماضيل، وأرانا من عجائب أمواجه لججا، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، المنزل عليه من نوره المبين، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله براهين وحججا، صلاة وسلاما تنهال بهما الرحمة وتنال بها هذه الأمة مخرجا، من أزمات نوائبها وفرجا.

أما بعد، ففي علم سيدنا أعلى الله قدره، وأدام في سماء العز والسعادة أمره، طيه ونشره، إن الكتاب المجيد كتاب الله العزيز، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، هو الأساس الأول، وعلى صراطه القويم المعوّل، وإن حفظه في الصدور شرف وأمان للأمة، إذ هو نور هداها في المعضلات والنائبات المدلهمه، بل هو المنقذ والهادي، في الخواتم والمبادي، في كل نادي، وبه ينظم ويدوّل.

وقد كانت أهالي طنجة في العهود الأخيرة بالخصوص على عهد جدكم المقدس مولانا الحسن صبت عليه الرحمة، يستظهره الكبير منهم والصغير، حتى المخازنية وأفراد مطلق الجيش، كان حِفْظُه عند غالبهم كمطلق العيش، وليس فقط برواية ورش، بل وبالروايات السبع حسبما هو معلوم، وشهير بل كانت هذه النواحي الجبلية قاطبة لا تُضاهى في الاعتناء بذلك، والأخذ بتعاليم تعلمه وتعليمه لكل منهم هنالك، وإليهم كانت الهجرة من القارئين، ومريدي الأخذ بها من الراغبين والطالبين، إلى ما يقرب من نحو ثلاثين سنة، عندما ألقى الدهر وَسَنَه، أخذ ذلك في التقلص، وذلك بسبب أيدي العتاة العادية الرائمة منه كل تخلص، تلك الأيدي التي استبدلت المساجد باسم المدارس، والمعابد بالبيع والكنائس، وألزمت معلمي كتاب الله بالتخلي، بأساليب عاملت تقدمه بالتأخر والتدلي، إلى أن صار الأمر فيه الآن، مما كاد أن يدخل في حيز كان، إلا أن الرواية لم يبق لها أثر، وصار الفرد الباقي من مئات الآلاف من أهلها يصفهم كقصص الخبر.

وبما أن المولى قد منَّ على هذه الأمة بطلعتكم، وأنتم والحمد لله موفقون في سيرتكم ونهضتكم، والحاضر والبادي مشرئبوا الأعناق من رعيتكم، تائقون إلى ما تسمعه منهم الآذان فيبلغ من أفئدتهم أعماق الأعماق بعطفتكم، مبادرين لامتثاله، صاغية قلوبهم للتحلي بزينة أعماله، فمن يُمن سيدنا الأخذ بيمين العجل، قبل أن تأتي حوادث هذه الكوارث لا قدر الله ملئى بالخجل، خصوصا وأسباب التناسي حافه، وقلوب المبتلين يابسة جافة، وبما يعظم من أساليبه قائمة زافة، فالبدار يا مولانا فقد بلغ هذا السيل الزبى أو كاد، وليس إلا على الله ثم على همتكم أدام الله شامل نعمتكم الأمل في ذلك والاعتماد، وإلى مطاع أمركم الاستناد في الإرشاد، فانهضوا بهمم الغافلين، وأيقظوا من هم في سبات الإهمال رافلين، وكالنائمين سامدين، ففي الصحيحين: تعاهدوا هذا القرآن فو الذي نفس محمد بيده هو أشد تفلتا من الإبل في عقلها، رواه أبو موسى [1].

وفي لفظ آخر لابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعلقة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت [2]. وهذا إن كانوا يتدارسونه، وما داموا لا يغفلون عنه بل يمارسونه، ولكن الحال فيه الآن أشد من ذلك، آخذه بتناسيه كلية هنالك، فالأمل يا مولانا أن تأمروا بإحياء هذا الدارس، حتى فيما صبغوه بعنوان المدارس، ويعم أمركم المطاع، سائر مختلف البقاع، وبالخصوص لطنجة لإرجاع ما ضاع بترتيب معلمين بتعليم الكتاب العزيز مخصوصين، فمن هم بأساليب تجويده من العارفين، وتجري عليهم جراية بإعانتهم تغنيهم عن الاشتغال بغيره وتقوم بكفايتهم.

ولينبهوا على التحفظ نوعًا ما على ما ينفع من أسلوب التعليم القديم، فإنه لا يخلو من خير عميم، وبالخصوص كتب المتعلم بإفتاء المعلم له ما يكتبه في اللوح مثلا، فهو أنفع وأحسن عملا، تجد من يتقن ذلك أسلوبا ينتفع به التلميذ غاية المنفعة هنالك، فلا يتم كتب لوحه حتى يجد نفسه قد حرّر له فيما كتب كيفية النطق بمخارج الحروف، وعلمه النطق الواجب فيه على المألوف، بل ونبهه على الذال المعجم وغير المعجم، وعلى الثاء المثلثة، والإمالة والفرق في النطق بين الضاد والظاء المشالة، وشبه ذلك مما يجب أن يعلم، ومما هو لازم للتجويد محتم ومنظم، بحيث يفرغ التلميذ من الكتابة، وكل ذلك عنده معروف، حتى ولو نوعًا ما من مخارج الحروف، وقد يحفظ ما كتب عند الكتابة مما هو مستحسن، ومن عين الإصابة نعم كل ذلك من مهارة المعلم إن كان يتقن ذلك، بل يحسن ما هنالك.

وسيدنا أعلى الله مقداره، وأدام فتوحات التيسير تخدمه وتخدم أنصاره، يحيِّ بذلك حفظ القرآن الكريم، والتوفيق من المتفضل العليم، يعيد به لانتشار صولته، ويغتنم هذا الفضل العميم ودولته، فيرفع بذلك قدر رعيته، حسبما عهدناه من عظيم همته، ونهمة نهضته، وفي حديث جدكم سيد الأولين والآخرين: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع آخرين [3]. رواه مسلم. وقال: خيركم من تعلم القرآن وعلمه [4]. أخرجه البخاري. وقال صلى الله عليه وسلم: اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه [5]. رواه مسلم.

وفيه أيضا وفي صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل الثمرة لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مرٌّ [6]، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن الألف حرف ولام حرف وميم حرف [7]. رواه الترمذي.



[1]- صحيح مسلم (كتاب صلاة المسافرين وقصرها) باب الأمر بتعاهد القرآن وكراهة قول نسيت آية كذا وجواز قول أنسيتها. رقم 1794.

[2]- صحيح البخاري (كتاب فضائل القرآن) باب استذكار القرآن وتعاهده رقم 4911. صحيح مسلم (كتاب صلاة المسافرين وقصرها) باب الأمر بتعاهد القرآن وكراهة قول نسيت آية كذا وجواز قول أنسيتها رقم 1789.

[3]- صحيح مسلم (كتاب صلاة المسافرين وقصرها) باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل بها وعلمها. رقم 1847.

[4]- صحيح البخاري (كتاب فضائل القرآن) باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه. رقم 4907.

[5]- صحيح مسلم (كتاب صلاة المسافرين وقصرها) باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة رقم 1824.

[6]- صحيح البخاري (كتاب فضائل القرآن) باب فضل القرآن على سائر الكلام رقم 4900. باب إثم من راءى بقراءة القرآن أو تآكل به أو فخر به. رقم 4939. صحيح مسلم (كتاب صلاة المسافرين وقصرها) باب فضيلة حافظ القرآن رقم 1810.

[7]- سنن الترمذي (كتاب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن مَالَهُ من الأجر رقم 2988.