aplatkaki
نافذة مُطِلة على أعمال سيدي محمد سكيرج أخ العلامة سيدي أحمد بن الحاج العياشي سكيرج رحمهما الله ورضي عنهما
 
Copyright © Cheikh-skiredj.com 2011 tous droits réservés
 

التعريف بوالده الحاج

العياشي سكيرج

 

هو الفاضل البركة الحاج العياشي بن عبد الرحمان[1] بن الحاج أحمد البرنوصي بن محمد بن حمو سكيرج.

 

ولد بفاس عام 1259هـ. وبها نشأ تحت ظلال المروءة والتقوى. ومجانبة اللهو واللعب. مع الإقبال على العبادة. والتحلي بالشيم والأخلاق الفاضلة. من صدق وإخلاص ووفاء واستقامة وكرم.

 

وقد درس بالقرويين مدة غير قصيرة. كان خلالها كثير التردد على مجالس علماء وقته. من أضرب العلامة سيدي محمد المدني كنون. وسيدي إبراهيم اليزيدي العلوي. ومحمد بن الهاشمي الجبلي. وعلى يد هذا الأخير تخرج. وهو عمدته. و به كان أكثر انتفاعه.

 

وكان وفيا لشيوخه المذكورين. ينوه بهم بين كل فينة وأخرى. مستدلا بقول الشاعر الفرزدق :

      

أولئك آبائي فجئني بمثلهــم    *     إذا جمعتنا يا جرير المجامــع

 

وكان من وفائه لهم إكثاره من ذكرهم. مع الدعوة لهم بالرحمة والغفران وتعداد سرد مناقبهم وكراماتهم. كما كان يرجع كل قول أو تقرير أو حكاية إلى صاحبها منهم. وقوفا مع الأمانة العلمية من ناحية. والتزاما بالحق من ناحية ثانية.

 

وهو ممن أوتي موهبة في الدراسة والتحصيل. مع ذكاء ونباهة وفطنة زائدة. بيد أنه انقطع عن القراءة في سن شبابه. ليتفرغ بعد ذلك لمزاولة بعض الأعمال والحرف الحرة.

ومهما يكن من أمر فقد كان لا يدع فرصة للانتفاع والاستفادة إلا اغتنمها لئلا تفوته. فما إن  يسمع بفقيه أو صالح نزل بفاس إلا ويقصده. وقد ربط في هذا النطاق صداقات وصلات مع الكثير من مشاهير العلماء. سواء على مستوى المدينة المذكورة أو غيرها.

 

وعموما فقد كان صاحبنا المذكور صواما قواما. يخاف الله عز وجل. كثير البكاء من خشيته. لا يغضب إلى له. كما كان بارا بوالديه وأقاربه. يصلهم في كل حين باستمرار[2].

 

وكان إلى جانب هذا وذاك رجلا وسيما. جميل الصورة. وضيء الوجه. أبيض الوجه مشربا بحمرة. ذا هيبة ووقار. لا يأتي مجلسا إلا ويجلس منه جانبا. فإن قدم امتثل. ولا يتكلم إلا إذا طلب منه. وهو ممن أعطي القبول عند الناس. سواء من أهل العلم أو غيرهم. فكانوا يقربونه ويحترمونه.

        

ومما يكتب لمترجمنا بمداد الذهب جهاده البطولي في حرب تطوان. مابين عامي 1276هـ- 1278هـ. 1859م-1861م. فقد شارك في هذه الحرب وهو شاب يافع دون العشرين من عمره. فقاتل فيها قتالا شديدا. غيرة على دينه. ودفاعا عن أمته ووطنه. وظل يحتفظ بعد انصرام هذه الحرب ببندقيته التي كان يحارب بها. وكان فخورا بهذه البندقية. يطلع عليها أحبابه وأصدقائه. ويصف لهم بعض وقائع هذه الحرب. وما أبلاه فيها صحبة رفاقه المجاهدين من شجاعة وبسالة وقوة.

        

ومن هذا القبيل ما ذكره عن نفسه مما معناه. أنه حضر صبيحة اليوم الذي تَمَّ فيه توقيع الصلح بين الطرفين المغربي والإسباني. وكانت لا تزال ببندقيته إذ ذاك رصاصة واحدة. فأطلقها على أحد الجنود الإسبان المتواجدين هناك. وذلك قبل إمضاء الهدنة بوقت قصير. فأصابت الرصاصة مكانها من الجندي المذكور. فقتلته حينا. فكان بذلك آخر جندي يسقط في هذه الحرب.

 

   وقد أصيب هو الآخر بجراح بليغة خلال اليوم الأخير من هذه الحرب. فيئس من حياته جل أصحابه. نظرا للنزيف الحاد الذي وقع منه. فعدوه لذلك من جملة الأموات. فتركوه في ساحة القتال يتخبط في دماءه. إلى أن جاء والده (الحاج عبد الرحمان سكيرج) للساحة المذكورة قصد البحث عنه. فوجده ملقى بين الشهداء وجرحه ينزف. وهو في حالة جِدِّ خطيرة. فحمله فورا لبيته. حيث امتثل للشفاء بعد ذلك.

 

توفي السيد العياشي سكيرج رحمه الله بتاريخ يوم الأحد 4 جمادى الثانية عام 1328هـ–13 يناير 1910م. ودفن بجبل زعفران خارج باب عجيسة[3] بفاس. وكان نجله (العلامة سيدي أحمد سكيرج) حينئذ بمدينة طنجة. حيث توصل هناك من والده المذكور برسالة مؤرخة قبل تاريخ وفاته بيومين فقط. قال في آخرها :

 

ونعلمك بخالتك آمنة كيرانة. زوجة الحاج السيد المكي بن كيران. عظم الله أجرك فيها. وقد توفيت قبل تاريخه بثلاثة أيام. فالله يلحقنا بها مسلمين آمين. وأما ما كان من أمر أخيك عبد الخالق فإنه قد نزل من الحانوت ودخل القرويين. هذا ما علي. و أنا مسافر للآخرة. اهـ...

 

 



[1] – الحاج عبد الرحمان سكيرج كان معاصرا للشيخ التجاني رضي الله تعالى عنه. محبا فيه متمسكا بطريقته. عاضا عليها بالنواجد. لكنه لم يأخد عنه الورد مباشرة لصغر سنه  وقتذاك. بل أخذه بعد وفاته عن بعض الخاصة من المقدمين بفاس المحروسة. وقد ترجم له حفيده الحاج أحمد سكيرج في كتابه كشف الحجاب عمن تلاقى مع الشيخ التجاني من الأصحاب. ص 239 فقال في حقه بعد كلام ما نصه: وكان يدعو كثيرا لمن تسبب له في الدخول في هذه الطريقة ويجازيه بالخير. ويقول له:  قد كنت في غفلة عن هذا الخير العظيم الذي أنعم الله به على هذه الأمة. والآن أحمد الله تعالى وأشكره على أن وفقني للدخول فيها. وكان يذكر في كل يوم صلاة الفاتح لما أغلق أزيد من 3000 مرة، إلى أن توفي رحمه الله تعالى وفاة الصالحين. بعدما قرأت عليه الوظيفة الشريفة. وهو يقرأها. وعند فراغها قال لأهله: أين الكأس الذي أتاني من عند الإله. وصار يبحث فوق الفراش عنه. حتى أخذوا كأسا ودفعوه له. فقال لهم: سبحان الله إنه سقط ولم يهرق. ثم شربه فبمجرد شربه اضطجع وتشهد وخرجت روحه رحمه الله تعالى في 7 ذي الحجة الحرام عام 1311 هـ وعمره يناهز 90 سنة. ودفن بأعلى يسار خارج باب عجيسة بفاس قرب سور البلد رحمه الله. انظر ترجمته في كتابنا رسائل العلامة القاضي أحمد سكيرج 1 : 6.

[2]-  ذكر العلامة سيدي أحمد سكيرج في كتابه كشف الحجاب ص 217 ما نصه : وقد وقع لوالدي غمرني الله في رضاه، وأحسن إليه في دنياه وأخراه، أنه كان ملازما لقراءة دلائل الخيرات كل ليلة جمعة واثنين، مع جماعة في مسجد مجاور لدار سكناه، فاتفق له أن لم يخرج في بعض الليالي، بل بقي بداره، وهم يقرؤون وهو يقرأ بقراءتهم حتى غلبه النوم، فبينما هو نائم إذ رأى أحد الجماعة مقبلا وهو يقول له: قم لترى النبي صلى الله عليه وسلم، فها هو ذا مار من هنا، ودخل ذلك الرجل لمسجد القراءة مسرعا، قال: فوقفت في طريقه متأدبا، فإذا بالنبي مقبل هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، قال: فلما رأيته صلى الله عليه وسلم رميت نفسي عليه وصرت أقول له: أريد أن أمتع الملامح يا رسول الله، وصرت أكررها عليه، وأردت بذلك رؤية الخاتم، قال : فصار أبو بكر رضي الله عنه يقول لي إن هذا الموضع مريض، ويشير إلى موضع الخاتم ويقول لي: لا تقربه: فالتفت صلى الله عليه وسلم وقال له: دعه عنك حتى يمتع ملامحه، ثم حل صلى الله عليه وسلم طوقه الشريف، ورمى شملته عن كتفيه وقال لي انظر، قال: فرأيت خاتم النبوة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم، وصورتها مثل كف يد بين الكتفين، والأصابع إلى أسفل مضموم بعضها إلى بعض، وفي منتهاها دارة الخاتم الشريف كالطابع المعمر، ولونها أحمر، قال : فصرت أقبلها وأضع عيني عليها، إلى أن قال لي صلى الله عليه وسلم: يكفيك، فرفعت رأسي، وسد صلى الله عليه وسلم رداءه الشريف، ولما ذهبت ناداني صلى الله عليه وسلم وقال لي: أتسمع؟ قال: فقلت له نعم يا سيدي يا رسول الله، فقال: أنت ممن رأوا محمد حقا، قال: فلما سمعت منه ذلك حصل لي فرح عظيم حتى استيقظت من أجله، فوجدت الجماعة الذين يقرؤون في ذلك المسجد بلغوا إلى قول صاحب دلائل الخيرات رضي الله عنه اللهم صلي على صاحب الحسن والجمال والبهاء والكمال إلخ ..

قال: فقمت وتوضأت وذهبت إليهم وأخبرتهم بهذه الرؤيا، فتحققوا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جاء ليحضر للختم، وفرحوا غاية الفرح بذلك، وحصل لهم نشاط في المواظبة على القراءة بعد أن كان بعضهم يتراخى في الحضور، إلى أن أذن الله بفراق الجماعة بموت غالبهم، والبقاء لله الواحد القهار.

[3] -  ملحوظة : يدفن معظم متوفي الأسرة السكيرجية بجبل زعفران. خارج باب عجيسة بفاس. وقد تساءلت كثيرا مع نفسي عن سبب ذلك. إلى أن وقفت على بطاقة صغيرة  للعلامة القاضي سيدي أحمد سكيرج. ذكر فيها أن السبب الدافع لذلك يعود بالدرجة الأولى لما احتوته الروضة المذكورة من قبور لبعض أكابر مقدمي الطريقة التجانية. كالشريف سيدي الطيب السفياني وأبنائه. وسيدي أحمد العبدلاوي وآخرين.

واعتبارا لما في معاشرة الصالحين ومجاورتهم من مزايا عظيمة. فقد كان أهل هذه الأسرة يحبذون دفن موتاهم بجانب هؤلاء السادات الأفاضل. اغتناما لبركاتهم من جهة. وانتفاعا بقربهم وطيب نفحاتهم من جهة ثانية.